×

محطاتٌ من البحث عن الأمانة…

محطاتٌ من البحث عن الأمانة...

الأربعاء 

22-7-2026

دانه شوارب

ثمة ما هو أصعب من المنهاج في عام التوجيهي؛ أن تبحث عن معلّم يحمل أمانة ما يعلّم.

في عامٍ يُقاس فيه الوقت بحساسية بالغة، وتصبح فيه الأيام أثمن من أن تُهدر في التجربة والخطأ، يجد كثير من الطلبة وأولياء الأمور أنفسهم أمام رحلة لم يتوقعوا يومًا أن تكون بهذا القدر من التعقيد: رحلة البحث عن معلّم لا يكتفي بأن يعرف المادة، بل يعرف أيضًا معنى أن يكون معلّمًا.

فليس كل من امتلك المعرفة امتلك القدرة على إيصالها، وليس كل من أتقن المنهاج أتقن قراءة احتياجات الطالب، وليس كل من حجز ساعة في جدوله أدرك أن هذه الساعة قد تكون جزءًا بالغ الأهمية من مستقبل إنسان.

الدروس الخصوصية في الأصل لم تُخلق لتكون نسخة أخرى عن الصف المدرسي، ولا ليخرج الطالب منها حاملًا أوراقًا أكثر وقلقًا أكبر. حين يلجأ الطالب إلى معلم خصوصي، فهو يفعل ذلك غالبًا لأن هناك فجوة تحتاج إلى أن تُسد، وضعفًا يحتاج إلى أن يُعالج، ووقتًا يحتاج إلى أن يُستثمر بذكاء. ومن هنا تبدأ الأمانة: أن يعرف المعلم لماذا جاء إليه هذا الطالب تحديدًا، لا أن يضع الجميع في القالب نفسه ثم يبدأ عدّ الساعات.

والمؤلم أن بعض التجارب التعليمية تكشف خللًا أكبر من مجرد ضعف في الشرح. قد تجد جزءًا من المادة يُترك للدراسة الذاتية رغم أن الطالب لجأ أصلًا إلى التعليم الخصوصي لأنه يحتاج إلى المساعدة، أو تجد وقت الحصة يتآكل في أمور لا تخص الطالب، أو يتحول البطء غير المبرر إلى سلسلة طويلة من الساعات، بينما المنهاج لا ينتهي والامتحان لا ينتظر.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا: متى أصبحت كثرة الحصص دليلًا على جودة التعليم؟

المعلم المتمكن لا تُقاس كفاءته بعدد الساعات التي يستطيع أن يملأها، بل بقدرته على أن يجعل لكل ساعة قيمة. قد ينجز معلم في حصة واحدة ما يحتاج غيره إلى حصص، لا لأنه يختصر المادة أو يظلمها، بل لأنه يعرف أين يضع يده، ماذا يشرح، وماذا يراجع، وأين تكمن الفجوة الحقيقية.

وفي التوجيهي تحديدًا، لا يملك الطالب رفاهية أن تستأثر مادة واحدة بكل وقته. هناك مواد أخرى تنتظر، وخطط مراجعة، وأيام محسوبة بعناية. لذلك فإن احترام خطة الطالب ووقته ليس أمرًا ثانويًا، بل جزء أصيل من أمانة التعليم. من السهل أن نقول: «سننتهي»، لكن الوعود لا تعيد يومًا ضاع، ولا تمنح الطالب أسبوعًا إضافيًا قبل الامتحان.

أما العلاقة مع ولي الأمر، فهي قضية أخرى تستحق الوقوف عندها طويلًا. المتابعة ليست تدخلًا، والسؤال ليس اتهامًا، وطلب معرفة ما تم إنجازه ليس تعديًا على اختصاص المعلم. حين يدفع ولي الأمر من ماله ووقته، ويضع مستقبل ابنه أو ابنته بين يدي شخص آخر، فمن الطبيعي أن يسأل: أين وصلنا؟ ماذا أُنجز؟ ما الذي لا يزال ضعيفًا؟ وما الخطة؟

لا ينبغي أن يشعر ولي الأمر بأنه مطالب بأن يدفع ثم يصمت.

وكذلك لا ينبغي أن يتحول خوف الأهل على أبنائهم إلى فرصة للاستنزاف. من حق المعلم أن يحدد أجره، ومن حقه أن يتقاضى ما يراه مناسبًا لخبرته وجهده، كما أن من حق الطرف الآخر أن يقبل أو يرفض. لكن القيمة الحقيقية لا تكمن في رقم الأجرة، بل فيما يقابلها من أمانة والتزام وإنجاز. حين تكون الساعة مدفوعة، فالساعة أمانة. وحين يُتفق على خطة، فالخطة أمانة. وحين يُوعد الطالب بإنجاز، فالوعد أمانة.

والمال، مهما كثر، يمكن تعويضه. أما الوقت في سنة التوجيهي فلا يُشترى مرتين.
ومن المفارقات التي تستحق التأمل أن المنصات التعليمية، التي كثيرًا ما تُنتقد ويُقلَّل من شأنها، استطاعت في تجارب كثيرة أن تقدم للطالب ما لم يجده أحيانًا في بعض أشكال التعليم الفردي: تنظيمًا واضحًا، وشرحًا متسلسلًا، ومواد إثرائية، وبنوك أسئلة، وإمكانية العودة إلى الشرح متى احتاج. وهذا لا يعني أن المنصة أفضل دائمًا من المعلم، كما لا يعني أن التعليم الفردي فقد قيمته؛ بل يعني ببساطة أن الطالب لا يعنيه شكل التعليم بقدر ما تعنيه نتيجته: هل فهم؟ هل أصبح قادرًا على الحل؟ هل تحسّن؟ هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح.

ومع ذلك، فإن الإنصاف واجب
فكما توجد تجارب تجعل الإنسان يتساءل أين ذهبت أمانة المهنة، يوجد معلمون يعيدون إليه إيمانه بها من أول لقاء. معلم يعرف أن الاختصار ليس تقصيرًا، وأن التكثيف ليس زيادة في عدد الساعات، بل زيادة في قيمة الساعة. معلم لا يماطل، ولا يحتكر الطالب، ولا يخشى أن يستفيد من مصدر آخر، لأن غايته الحقيقية أن يصل الطالب، لا أن يبقى محتاجًا إليه.

هؤلاء هم المعلمون الذين يجعلوننا نأسف فقط لأننا لم نعرفهم مبكرًا.
لذلك، ليست هذه الكلمات إدانة لمعلمي اللغة الإنجليزية، ولا للدروس الخصوصية، ولا لأي شكل من أشكال التعليم. التعميم ظلم، وفي الميدان نماذج تستحق كل الاحترام والتقدير
إنها فقط وقفة أمام مفهوم يكاد يضيع أحيانًا وسط الأسعار، والمواعيد، والمنصات، والمكثفات، وبنوك الأسئلة…

الأمانة.
أن تتذكر، حين تجلس أمام طالب، أنك لا تتعامل مع «حصة». أمامك إنسان يحمل خوفًا وحلمًا ومستقبلًا. وقد تكون الساعة بالنسبة إليك جزءًا عاديًا من يوم عمل طويل، لكنها بالنسبة إليه يومٌ من عمر عامٍ لا يحتمل أن يُعاش مرتين.

لذلك، ربما لا نحتاج دائمًا إلى البحث عن أشهر معلّم.. بقدر حاجتنا إلى أن نجد المعلّم الذي حين نضع الوقت والمستقبل بين يديه، نطمئن إلى أنه يعرف معنى الأمانة.

المزيد من المقالات