×

ما الذي نعلّمه فعلًا؟ بين التلقين وبناء العقل الذي يفكّر

ما الذي نعلمه فعلا

ما الذي نعلّمه فعلًا؟

الاثنين 25-1-2026

“بين التلقين وبناء العقل الذي يفكّر”
ليس التعليم حدثًا نمرّ به ثم نغادره،ولا مرحلة نطويها بشهادة ونمضي.
التعليم الحقيقي أقرب إلى تجربة داخلية طويلة،
تبدأ حين يشعر الإنسان بأن ما يعرفه غير كافٍ،
وحين يسمح لنفسه بأن يتساءل دون خوف من أن يبدو جاهلًا.

منذ وقت مبكر، اعتدنا أن نربط التعليم بالمناهج، بالصفوف، بالجداول والامتحانات. لكن السؤال الأهم ظلّ مؤجلًا:
هل تعلّمنا فعلًا، أم تعوّدنا فقط على الامتثال؟

التعليم، في جوهره العميق، لا يدور حول تكديس المعرفة، بل حول تشكيل العقل الذي يتعامل مع المعرفة. عقلٌ يسأل قبل أن يقبل، يفكك قبل أن يحفظ، ويتأمل قبل أن يكرّر. حين يُختزل التعليم في نقل معلومات جاهزة، يصبح المتعلم وعاءً، لا شريكًا. وحين تُكافأ الطاعة أكثر من الفضول، نكون قد صنعنا بيئة تُتقن الانضباط… وتُضعف التفكير.

في كثير من الصفوف، لا يُقاس الفهم بعمقه، بل بقدرته على إعادة ما قيل كما هو. يصبح “الطالب الجيد” هو الأكثر التزامًا بالنموذج، لا الأكثر جرأة في السؤال. ومع الوقت، يتعلم المتعلم درسًا خفيًا:
أن التفكير مخاطرة،
وأن الخطأ عيب،
وأن السلامة في الصمت.

لكن الإنسان، بطبيعته، لا يتعلّم هكذا.
في داخله ميل فطري للفهم، للاكتشاف، للربط بين الأشياء. هذا الميل لا يحتاج إلى قمع، بل إلى حماية. يحتاج إلى بيئة تسمح بالخطأ بوصفه خطوة، وبالشك بوصفه أداة، وبالأسئلة بوصفها بداية لا نهاية.

التعليم الذي يُنضج الإنسان هو ذلك الذي *يعلّمه كيف يفكر، لا ماذا يفكر. * تعليم لا يضع الإجابة في يد المتعلم، بل يضع المفاتيح. لا يطالبه بالحفظ، بل يدعوه للفهم. حينها، تتحول المعرفة من مادة صلبة إلى مساحة حوار، ويصبح العقل فاعلًا لا مستهلكًا.

ولا يمكن فصل هذا النوع من التعليم عن البعد الأخلاقي. فالمعرفة، حين تُنتزع من سياقها النقدي، قد تتحول إلى أداة تبرير بدل أن تكون وسيلة وعي. المتعلم الذي لا يمتلك أدوات التحليل قد يعرف كثيرًا، لكنه لا يرى. قد يقرأ، لكنه لا يميّز. وقد يسمع الخطاب العام دون أن ينتبه لما يُقال فيه… أو لما يُخفى.

في عالم تتدفق فيه المعلومات بلا توقف، لم يعد الخطر في الجهل وحده، بل في المعرفة غير المفحوصة. التعليم الحقيقي، هنا، لا يكتفي بأن يزوّد المتعلم بالمعلومة، بل يدرّبه على مساءلتها:
من قالها؟
ولماذا؟
ولصالح من؟

حينها فقط، يصبح التعليم ممارسة للحرية، لا تدريبًا على الامتثال.

ولأن التفكير الحر لا يُروَّض بسهولة، فإن إضعافه لا يكون دائمًا صدفة. المجتمعات التي تخشى الأسئلة، غالبًا ما تفضّل تعليمًا آمنًا، متوقعًا، لا يُربك السائد ولا يزعج المألوف. لكن الثمن يكون باهظًا: أجيال تعرف كيف تجيب… ولا تعرف كيف تفكر.

التعليم الحقيقي لا يعدنا بالراحة،
بل بالوعي.
ولا يمنحنا يقينًا جاهزًا،
بل قدرة على العيش وسط الأسئلة دون خوف.

وربما هنا يكمن جوهره:
أن نتعلم كيف نتعلم،
كيف نفهم العالم بدل أن نحفظه،
وكيف نكون حاضرين فيه، لا مجرد عابرين.

ويبقى السؤال مفتوحًا لكل قارئ:
لو أعدنا تعريف التعليم من جديد…
فما أول شيء سنسمح له أن يعود:
الفضول؟
أم الجرأة؟
أم ذلك الصوت الداخلي الذي كفّ طويلًا

المزيد من المقالات