×

متى أصبح الطلاق إنجازًا يُعلَن؟

متى أصبح الطلاق إنجازًا يُعلَن؟

تغريد برهوش

السبت 4-4-2026

متى أصبح الطلاق إنجازًا يُعلَن؟
وثقافة الفراق الصاخب… إلى أين تقودنا؟

لم يكن المشهد عاديًا….
فتاة تخرج من المحكمة، تحتفي علنًا بإعلان طلاقها.
تتوالى التعليقات، وتتصاعد عبارات التهنئة والدعم، وتصفّق لها الكلمات…
فيتحوّل الموقف من نهاية شخصية، إلى مشهد عام تتداخل فيه الانفعالات والتفسيرات.

في عمق ذلك، لا يبدو الأمر مجرد لحظة عابرة أو تصرّف فردي،
بل ملامح تحوّل أوسع في وعينا الجمعي، وفي الطريقة التي نفهم بها العلاقات ونهاياتها.
فلم يعد الفراق حدثًا يُعاش بخصوصية،
بل تحوّل في بعض صوره إلى مشهد يُعرض ويُحتفى به.
وبين قرار قد يكون مؤلمًا في جوهره، وطريقة تقديم صاخبة تُفرغه من معناه، يبقى السؤال معلّقًا:
متى أصبح الانفصال عرضًا يُقدَّم… لا تجربة تُصان؟ 
وهل تغيّرت قراراتنا… أم تغيّرت الطريقة التي نراها بها؟

ليست القضية في الطلاق ذاته.
فالانفصال قد يكون في بعض الحالات ضرورة، وقد يكون نجاة لا خسارة، حين تستحيل العِشرة ويغيب الأمان.
لكن ما يستوقفنا حقًا ليس القرار… بل الطريقة التي يُقدَّم بها.
هناك فرق كبير بين أن يخرج الإنسان من تجربة مؤلمة بكرامة،
وبين أن يُحوّلها إلى مشهد عام، تُنتهك فيه الخصوصيات، وتُنسى فيه القيم التي كانت يومًا جزءًا من العلاقة.

أين الستر الذي كان يُحفظ حتى في لحظات الانكسار؟
أين تلك المسافة التي كانت تفصل بين ما يُعاش… وما يُعلن؟
وأين المعنى العميق لقوله تعالى: “ولا تنسوا الفضل بينكم“؟
والتي تعد بمثابة ميزان أخلاقي دقيق.
فحتى في لحظة الفراق، هناك تاريخ لا يُمحى، وأيام لا تُلغى، ومواقف لا يجوز أن تُسحق تحت وطأة الغضب أو الرغبة في إثبات الذات.

المشكلة ليست في جيلٍ بعينه،
بل في ثقافة بدأت تُعيد تعريف العلاقات، لا كمسؤولية مشتركة، بل كساحة صراع تُدار بمنطق الربح والخسارة.
وحين تتحوّل الخلافات الزوجية إلى معارك، يصبح الهدف ليس الفهم أو الإصلاح، بل إثبات التفوّق.
تتدخل الأصوات من كل اتجاه:
أهل بدافع الحماية،
وصديقات بدافع “الدعم”،
لكن النتيجة غالبًا واحدة: تصعيد، لا احتواء.
يُقال للفتاة: لا تتحمّلي، لا تتنازلي، لا تصبري.
ويُقال للرجل: شدّد، لا تُظهر ضعفك، لا تتراجع.
وبين هذه الشعارات، تضيع المساحات الرمادية التي كانت يومًا مساحة النضج.

لسنا هنا بصدد الدعوة إلى الصمت على الظلم أو الأذى،
ولا إلى إبقاء العلاقات بأي ثمن،
بل إلى إعادة التوازن في فهم ما يحدث.
فليس كل خلاف معركة،
وليس كل قرار يجب أن يُعلن،
وليس كل نهاية تستحق أن تتحول إلى بداية صاخبة.

والأخطر في ذلك، أن هذا النمط يُعيد تشكيل وعي الأجيال القادمة.
حين يرى الطفل أن الانفصال يُقدَّم كاستعراض،
وأن العلاقة تُختزل في لحظة خروج،
فماذا سيتعلّم عن المعنى الحقيقي للأسرة؟
وعن قيمة الاستمرار؟
وعن الفرق بين الكرامة… والضجيج؟

لقد كان في ثقافتنا ما يوازن بين الحق والرحمة،
بين القرار والحكمة،
بين الانفصال… والفضل الذي لا يُنسى.
أما اليوم، فنحن بحاجة أن نسأل أنفسنا بصدق:
هل ما نعيشه حرية تعبير … أم فقدان للبوصلة؟

الطلاق، في جوهره، ليس فشلًا دائمًا، لكنه أيضًا ليس إنجازًا يُحتفى به.
هو قرار ثقيل، تجربة إنسانية معقّدة، ونهاية يجب أن تُحاط بقدر من الصمت الذي يحفظ ما تبقى من المعنى.
ربما لا نستطيع أن نمنع كل النهايات، لكننا نستطيع أن نختار كيف نغادرها.
بشيء من الوعي، وبقليل من الرحمة، وبذاك التذكير الذي نحتاجه أكثر من أي وقت مضى:

“أن بعض العلاقات، حتى حين تنتهي… لا يجب أن تُهان “

المزيد من المقالات