زمن الخبر العاجل… والأثر النفسي للإعلام التجاري
السبت 22/11/2025
تغريد برهوش
في زمنٍ تتقاطع فيه الشاشات مع نبض الإنسان، ويُصبح الخبر أسرع من طرفة العين، نكتشف أننا نعيش داخل عالمٍ يتسابق فيه الإعلام لا ليكشف الحقيقة، بل ليحجز مقعدًا في وعي المتلقّي قبل أن يكتمل وعيه. لم يعد “الحدث” هو البطل، بل السرعة. ولم يعد “المعنى” هو الغاية، بل أكثر ما يثير الانتباه في ثوانٍ عابرة.
نحن أبناء عصر تُصاغ تفاصيله على هيئة شريط أحمر يمرّ كالسهم أسفل الشاشة، يسرق انتباهنا، ويُربك مزاجنا، ويملأ دواخلنا بشعورٍ مباغت بأن شيئًا خطيرًا يحدث الآن… في مكانٍ ما… وربما في داخلنا أيضًا.حينها يصبح القلق مادة إعلامية.
الإعلام التجاري لا يكتفي بنقل الخبر، بل يتدخّل في بناء طريقة استقباله.
فكل لقطة، وكل صوت، وكل عنوان يُعاد تشكيله ليحمل أكبر قدر ممكن من الإثارة. هكذا ينشأ “القلق الجاهز”، حالة نفسية يتم تصديرها مع كل خبر، ليبقى الفرد متأهبًا، مشدودًا، لاهثًا خلف ما يظنه جديدًا.ومع الوقت، تصبح النفس البشرية أشبه بجهاز إنذار لا يتوقف… تعوّدت أن تتوقع الأسوأ، حتى في لحظات الهدوء
في عالم الخبر العاجل، تُختصر القضايا المعقدة إلى جملة. تُضغط المصائر إلى عشر كلمات. وتُختزل المآسي الإنسانية إلى مشهد واحد ملوّن بعناية.
إنها طريقة لا تكتفي بتحديد ما نراه، بل تحدد أيضًا كيف نفكر. شيئًا فشيئًا، تتآكل قدرتنا على التأمل، لأن عقلًا مغمورًا بالمنبّهات لا يجد وقتًا لبناء فكرة، أو متابعة خيط تفكير واحد دون أن يقطعه وميض جديد والمحصلة تشويش الوعي وتآكل القدرة على العمق!!
هنا يظهر الأثر الأخطر؛ “إرهاق الوجدان”.فالمتلقي، بوعي أو بدونه، يتحول إلى مستهلك سريع للمشاعر. ينتقل من صدمة إلى غضب، ومن دهشة إلى خوف، ثم يعود للخبر التالي كما لو أن شيئًا لم يكن.
وهكذا يُعاد تشكيل الحس الإنساني نفسه؛ يصبح أقل قدرة على التعاطف الحقيقي، وأقل صبرًا على المعاني العميقة، وأكثر استعدادًا للانجراف خلف موجات متتابعة من الانفعالات المصنعة
فماذا يفعل كل هذا بمجتمع كامل؟
مجتمع يعيش تحت ضغط مستمر من الأخبار العاجلة يفقد تدريجيًا منظومة هدوئه الداخلي. ينتشر التوتر، يقصر مدى الانتباه، ترتفع وتيرة الحكم المتسرّع، وتُصبح العلاقات الإنسانية أسرع في الاشتعال وأبطأ في الفهم.
إنه مجتمع يركض دون أن يعرف إلى أين، يلهث خلف ما يسمعه قبل أن يتأكد مما يفهمه !
وكيف نعيد لأنفسنا حقّ الوعي؟
ليس الحل في الهروب من الإعلام، بل في بناء مناعة ذهنية تجاهه.
مناعة تبدأ من سؤال بسيط: هل هذا الخبر مهم… أم مجرد عاجل؟
وتكتمل بممارسات ذهنية يومية: التأمل، القراءة المتأنية، البحث عن المصادر، إبقاء مسافة نقدية بين المتلقي وبين الشاشة التي تحاول أن تقوده بدل أن تخدمه
في الواقع نحن لا نعيش أزمة أخبار… بل أزمة وعي.
الإعلام التجاري يملك القدرة على تشكيل مشاعرنا، لكنه لا يملك حقّ التحكم في مصير عقولنا. هذا الحق يبقى لنا، نحن الذين نستطيع – متى امتلكنا الهدوء – أن نعيد ترتيب علاقتنا بالحدث، وبالعالم، وبأنفسنا أيضًا.
فالإنسان الذي يستعيد هدوءه… يستعيد حقيقته. والإنسان الذي يفكّر خارج ضوضاء “العاجل” يعود قادرًا على أن يرى ما وراء الخبر… وما وراء نفسه.
