×

حين يُعطي الإنسان… كيف يستجيب داخله؟

حين يُعطي الإنسان… كيف يستجيب داخله؟

تغريد برهوش

الثلاثاء 7-4-2026

لم يعد العطاء يُقرأ فقط بوصفه قيمة أخلاقية، بل بات يُفهم “في ضوء أبحاث الدماغ وعلم النفس” كخبرة إنسانية مركّبة تُعيد تشكيل شعور الإنسان بذاته وبالعالم من حوله.
 
تشير الأدلة العلمية إلى أن سلوك العطاء، بمختلف صوره، يُنشّط في الدماغ دوائر المكافأة المرتبطة بالمتعة، لكنه يتجاوزها ليُفعّل أيضًا مسارات التعاطف وإدراك المعنى.
بعبارة أدق:
العطاء لا يمنح إحساسًا عابرًا بالارتياح، بل يخلق حالة من الرضا المتكامل تجمع بين المتعة، والقيمة، والارتباط الإنساني.
 
تجريبيًا، أظهرت الدراسات أن الأفراد الذين يوجّهون مواردهم-ولو بشكل بسيط-نحو الآخرين، يسجّلون مستويات أعلى من الرضا مقارنة بمن يوجّهونها لأنفسهم فقط. كما يرتبط العطاء بانخفاض الشعور بالعزلة، وارتفاع الإحساس بالانتماء والجدوى.
 
غير أن هذه العلاقة ليست خطيّة أو مطلقة.
فالعطاء، حين ينفصل عن الوعي، قد يفقد أثره الإيجابي، بل وقد يتحوّل إلى عبء نفسي مُستنزِف؛ خاصة عندما يكون مدفوعًا بالضغط الاجتماعي، أو السعي إلى الاستحسان، أو على حساب احتياجات الذات.
 
هنا تتضح الفكرة الأكثر نضجًا:
القيمة النفسية للعطاء لا تكمن في الفعل ذاته، بل في جودته.
 
العطاء الذي يُحدث أثرًا داخليًا حقيقيًا، هو العطاء الذي يتّسم بـ:
النية الواعية: أن يصدر عن معنى داخلي واضح، لا عن ضغط أو مجاملة
الاختيار الحر: أن يكون قرارًا نابعًا من إرادة، لا استجابة مفروضة
 التوازن الصحي: أن يحفظ حدود الذات بقدر ما يلبّي احتياج الآخر
إدراك الأثر: وعي متبادل بالقيمة التي تتشكّل بين المُعطي والمتلقّي
 
وفي هذا السياق، يتشكّل مسار إيجابي متبادل:
الامتنان يُعزّز الميل إلى العطاء، والعطاء يُعمّق الإحساس بالرضا، في دورة نفسية تُغذّي الاستقرار الداخلي وتدعمه.
 
من منظور أعمق، يعمل العطاء على ثلاثة مستويات متداخلة:
بيولوجيًا عبر تنشيط نظام المكافأة،
ونفسيًا عبر تعزيز الإحساس بالمعنى والقيمة،
واجتماعيًا عبر توطيد الروابط الإنسانية.
 
ولعلّ ما يميّز العطاء بحقّ، أنه أكثر مقاومةً لبهتان الأثر مع مرور الوقت، مقارنةً بمصادر الإشباع السريع؛ إذ يحتفظ بقدرته على الإحياء كلما تجدد معناه وتعدّدت صوره، فيبقى أثره متجددًا لا يُستهلَك بسهولة.
 
في ضوء ذلك، لا يعود السؤال:
هل العطاء يُسعدنا؟
بل يصبح:

أيُّ عطاءٍ يمنحنا هذا الاتساع الداخلي؟

إنه العطاء الذي لايُفقد الإنسان نفسه وهو يمنح،بل يعيده إليها …بصورة أعمق 
 

المزيد من المقالات