×

بين التوقع والمعيار: كيف نحمي قلوبنا دون أن نُفرّط بذواتنا؟

بين التوقع والمعيار: كيف نحمي قلوبنا دون أن نُفرّط بذواتنا؟

الاثنين 27/11/2025

تغريد برهوش
التوقعات تُرهِق… والمعايير تُنقِذ.
تلك الجملة تبدو بسيطة للوهلة الأولى، لكنها تخفي عالمًا كاملًا من الوعي النفسي والانضباط العاطفي وعدة أسئلة جوهرية ؛ كيف نمنح الحب دون أن نفقد أنفسنا؟ كيف ننجح دون أن نرهق روحنا؟ وكيف نُخفض سقف التوقعات دون أن نهدم معايير قيمتنا؟
فنحن مخلوقات تتنفس المعنى… ونتعلّق.
نحب، ننتظر، نأمل، نطمح. وكل مساحة فيها قلب… فيها توقّع.
لكن المشكلة ليست في التوقع بحد ذاته، بل في اتساعه لدرجة قد لا تتسع لها الحياة.
نقف كل يوم على خطٍ دقيق بين الطموح والحماية، بين التقدم والخوف، بين أن نطلب من أنفسنا المزيد، أو نخفف عنها كي لا تنكسر.
 

نرفع سقف التوقعات؟
نعم، نحن نحتاج أحيانًا إلى سقف أعلى من قدرتنا الآنية؛ فهو يعطينا دافعًا، ويوقظ الحيلة في داخل العقل، ويمنح الإنجاز معنى أوسع.
رفع التوقعات يخلق شخصًا يجرّب، يتحدى، يبحث عن طرق جديدة، ويحارب الجمود. لكنه أيضًا قد يتحول إلى جلاد داخلي إن لم يقترن بالوعي والواقعية والرحمة.
فمن يرفع السقف بلا وعي قد يقع في فخ جلد الذات عند أي تقصير،والشعور بعدم الكفاية رغم النجاح،أو العيش في سباق لا نهاية له مع الوقت والمنجزات.

التوقعات العالية تشبه سلّمًا طويلًا يصل بنا لأعلى، لكن السقوط منه أكثر ألمًا إن لم تكن الخطوات ثابتة وواعية.
 

نخفض سقف التوقعات؟
نعم، أحيانًا يكون خفض السقف علاجًا نفسيًا عميقًا.
نهبط قليلًا لنلتقط أنفاسنا، لنراقب اتجاه الريح، لنرمم ما تفتت داخلنا.

التوقعات المنخفضة تمنحنا سلامًا، وتخفف الصراع، وتعيدنا إلى مركزنا الداخلي.
لكن الإفراط في خفض السقف يحوّل الإنسان إلى نسخة صامتة من قدراته؛ يتعايش بدل أن يخلق، يقبل بما لا يشبهه، ويتوقف قبل أن يبدأ.
والعلاقات كذلك تتأثر بهذين السقفين:
فالتوقع العالي يولّد خيبات أكبر، والمتدني يمنع النمو والتبادل النفسي والوجداني الصحي.
وفي العلاقات البشرية، مهما بدت بسيطة، تعمل التوقعات كميزان دقيق بين الاحتياج والواقعية
كلما رفعنا سقف التوقعات دون وعي، شعرنا بخيبة أكبر حين لا يتحقق ما نريد.
وكلما خفضناه كثيرًا، بدافع الحذر أو التكيف، قد نفقد العلاقة معناها العميق تدريجيًا.
تخفيض سقف التوقعات ليس مشكلة… المشكلة حين يصبح منهجًا دائمًا
حين نعتاد أن ننتظر الأقل من الآخر، نبدأ بشكل غير محسوس في تبرير الغياب، والتغاضي عن التقصير، والتماهِي مع الحد الأدنى من الاهتمام.
وهنا يتشكل خطر صامت:
مع الوقت يصبح “القليل كافيًا”، ثم يصبح “الغياب مقبولًا”، وتتحول العلاقة من مساحة تغذي المشاعر إلى مساحة تجفّ فيها العواطف ببطء.

وهنا تظهر كلمة السر “المعيار
التوقع رغبة، أما المعيار فهو قيمة.
التوقع ينتظر، والمعيار يحدد.
التوقع قد يجرح، والمعيار يحمي.
والتوازن ليس أن تخفض التوقعات… بل أن ترفع المعايير.
قد أتوقع حضورًا أقل كي لا أؤلم قلبي، لكنّي أحتفظ بمعايير واضحة لا تسمح للغياب أن يصبح عادة، ولا للاعتذار أن يكون بديلاً دائمًا للفعل. 
أقبل الاختلاف… ولا أقبل الإهمال.
أحتوي الخطأ… ولا أسمح بتكراره بلا مسؤولية.
أخفض سقف الانتظار… وأرفع مستوى الاحترام.
فنحن لا نُربي العلاقات على الكثرة، بل على النوع.
ولا نقيس الحب بالمواعيد، بل بجودة الحضور عندما يحدث الحضور.
والعلاقة الصحية لا تحتاج مطالب كثيرة، تحتاج حدًا أدنى محترمًا لا يُكسر، وحدًا أعلى لا نعلّقه فوق طاقة البشر.
بين رفع التوقعات وخفضها ثمّة مساحة اسمهاالوعي.
أريد الكثير؟ نعم،
لكن دون أن أجعل الآخرين مادة لأحلامي.
أقبل بالقليل؟ نعم،
لكن دون أن أخون نفسي
 

 وقفة تأملية مع النفس 
هل تحتاج اليوم أن ترفع سقف توقعاتك لتنهض؟
أم أن تخفضه قليلًا كي يهدأ قلبك؟
أم أنك في الحقيقة تحتاج شيئًا ثالثًا: أن ترفع معاييرك بينما توازن توقعاتك؟

 
العلاقات، الإنجاز، والذات لا تزدهر حين نريد الكثير…
ولا حين نقبل بالقليل…
بل حين نُقدّر ما نشعر به، ونحمي ما نستحقه.
لذا اخفِض سقف ما تتوقعه من الآخرين، وارفَع معايير ما تستحقه أنت؛ فالتوقعات تُرهِق… والمعايير تُنقِذ.

المزيد من المقالات

المقالات

قوة الرحمة

شارك هذا المنشور… Copy Facebook Whatsapp Pinterest Telegram Twitter Messenger Linkedin قوة الرحمة الاثنين 24/11/2025 تغريد برهوش ثمة قوى لا

قراءة المزيد »