قوة الرحمة
الاثنين 24/11/2025
تغريد برهوش
ثمة قوى لا تُرى، ولا تُقاس، ولا تُدوَّن في سجلات القوة الصارخة… لكنها وحدها القادرة على إعادة تشكيل الإنسان من الداخل. الرحمة واحدة من هذه القوى؛ هادئة، لكنها مُغيِّرة؛ بسيطة، لكنها جوهرية؛ خفية، لكنها الأكثر تأثيرًا حين تضيق الحياة بأثقالها.
الرحمة ليست ضعفًا كما يظن البعض، بل هي القدرة الكاملة على رؤية هشاشة الآخر دون استغلالها، ورؤية هشاشتنا نحن دون أن نخجل منها. إنها تلك المسافة الهادئة بين الحكم والفهم، بين ردّ الفعل والاحتواء، بين أن نكون أسرى تجاربنا وأن نصير أوسع منها.
قوة الرحمة تظهر حين نختار التمهّل بدل القسوة، الإصغاء بدل الانفعال، الاعتراف بإنسانية الآخر بدل الاختباء خلف صلابة زائفة. إنها القدرة على ملامسة أعماق لم يتجرأ أحد على الاقتراب منها، وعلى تهدئة أرواحٍ أنهكها الطريق.
أقوى ما في الرحمة أنها لا تقتصر على الآخرين؛ إنها وجهة الإنسان تجاه ذاته أيضًا. حين نعامل أنفسنا برفق، نكسر دائرة جلد الذات، ونمنح أنفسنا فرصة للنمو، للتعلّم، للعودة من جديد دون خوف. الرحمة مع الذات ليست تبريرًا، بل بصيرة ترى الخطأ بوضوح، وتسمح بالإصلاح دون أن تُطفئ قيمة النفس.
الرحمة قوة لأنها تُعيد التوازن، وتفتح المجال لسلام داخلي عميق. قوة لأنها تمنحنا القدرة على بناء جسور لا تهدمها لحظة غضب. قوة لأنها تُبقي الإنسان إنسانًا وسط عالم يميل إلى الصخب والسرعة والقسوة.
قد لا تغيّر الرحمة العالم دفعة واحدة، لكنها تغيّر إنسانًا… وهذا الإنسان قادر على أن يصنع عالمًا مختلفًا.
