×

الصلاة وإعادة اكتشاف النفس

الصلاة وإعادة اكتشاف النفس

الثلاثاء 30/12/2025

تغريد برهوش

“الصلاة بين الألفة والغفلة”

لم تكن الصلاة يومًا غائبة عن حياتنا، لكنها في كثير من الأحيان غابت عن أثرها.
نؤديها بانتظام، نعرف مواقيتها، نحفظ ألفاظها، ونضبط حركاتها، ومع ذلك يظلّ في الداخل شيء لا يتحرّك، ولا يهدأ، ولا يُعاد ترتيبه كما ينبغي. كأن الصلاة تمرّ بنا… دون أن تمرّ فينا.
الألفة هنا خادعة.
فما نعتاده كثيرًا، نفقد الدهشة أمامه، وما نكرّره بلا انتباه، يتحوّل تدريجيًا من فعلٍ حيّ إلى إجراء. وهكذا، قد تصبح الصلاة أكثر أفعالنا انتظامًا، وأقلّها تأثيرًا
ليست المشكلة في الصلاة ذاتها، بل في وعينا أثناءها.
في تلك اللحظة التي يقف فيها الجسد متجهًا إلى القبلة، بينما يسرح العقل في قائمة المهام، أو يعيد حوارات لم تُحسم، أو يراجع قلقًا مؤجَّلًا. نكون «في الصلاة»، لكننا لسنا «حاضرين فيها».

الغفلة لا تعني الغياب الكامل، بل الحضور الناقص.
أن نؤدي الأركان، ونُهمل المعنى. أن نقرأ الكلمات، دون أن نسمح لها أن تقرأنا. أن نقف بين يدي الله، بينما الداخل مزدحم إلى حدّ لا يترك مساحة للسكينة.

الصلاة في جوهرها ليست استراحة من الحياة، بل إعادة ترتيب لها.
هي ليست لحظة هروب من الواقع، بل عودة أعمق إليه، بعين أهدأ، وقلب أقلّ تشوّشًا. لكنها لا تفعل ذلك تلقائيًا؛ تفعل ذلك حين نسمح لها.

حين نعتاد الصلاة دون وعي، تفقد قدرتها على إيقاظنا.
تصبح طقسًا مطمئنًا، نعم، لكنها لا تعود مرآة.
لا نسأل فيها: كيف أنا؟ أين أقف؟ ما الذي أثقل قلبي؟ ما الذي تغيّر فيّ منذ آخر مرة قلت فيها «الله أكبر»؟

والحقيقة أن هذه الكلمة وحدها تختصر المعنى كله.
«الله أكبر»… أكبر من استعجالنا،من تشتتنا، من قلقنا، من أفكارنا المتزاحمة. لكننا نرددها أحيانًا دون أن نُفسح لها مكانًا لتكون أكبر فعلًا.

إعادة اكتشاف الصلاة لا تبدأ من زيادة عددها، بل من استعادة حضورنا فيها.
من لحظة صدق واحدة، نقرّ فيها أننا نقف مرهقين، أو متشتتين، أو مثقلين، ونسمح للصلاة أن تلمس هذا الثقل بدل أن تتجاوزه.

أن نصلّي ونحن نعرف لماذا نقف، لا فقط كيف نقف.
أن نبطئ قليلًا.
أن نصغي للآيات كأنها تُخاطب واقعنا الآن، لا تاريخًا بعيدًا.
أن نخرج من الصلاة بسؤال، لا فقط بتسليم.

الصلاة ليست امتحان كمال، بل مساحة عودة.
عودة إلى النفس قبل أن تضيع، وإلى المعنى قبل أن يتآكل، وإلى الله لا كواجب، بل كملجأ.
وحين نستعيد هذه العلاقة، لا تتغيّر الصلاة فقط…
نحن من يتغيّر.

المزيد من المقالات